الأشباه و النظائر
...تراث لا يموت
كتاب الأشباه و النظائر يريد أن يثبت موقفا وسطا , بين
الطرفين المتمسكين بالقديم و المناصرين للمحدثين , و هما يقولان في مقدمة الكتاب:
( إنّا رأيناك بأشعار المحدثين كلفا , و عن القدماء و
المخضرمين منحرفا , و هما اللذان فتحا للمحدثين باب المعاني , فدخلوه , و أنهجوا
لهم طرق الإبداع , فسلكوه , " يعنيان أن الفضل للمتقدم ".
و لسنا بقولنا هذا – أيّدك الله – نطعن علي المحدثين و
لا نبخسهم تجويدهم و إصابة تشبيههم و طريف معانيهم و صحة استعاراتهم ) .
قال ابن الجوزي في كتاب الأذكياء عن مؤلفي كتاب الأشباه
و النظائر : ( كانا أخوين و اتفقا في حسن الطبع و رقّة المشاعر و كثرة الأدب و
كانا يشتركان في الشعر و ينفردان . )
و هما الخالديّان , الأديبان الشاعران الموصليّان أبوبكر
محمد و أبو عثمان سعيد ابنا هاشم ابن وعلة و أصلهما الخالدية " قرية من أعمال
الموصل في العراق " فنسبا إليها .
و قد قال عنترة العبسيّ :
هل غادر الشعراء من متردّم ِ ؟
أي أن القدماء ما تركوا كلاما لمتكلم بعدهم...هكذا قال
عنترة و غيره ممن يرون الفضل دائما للمتقدّم و الأسبق زمانا و لكنّ هذا لا يمكنه
أن ينفي أو أن يمنع جودة إبداع المحدثين و طرافته كما أسلفت منذ قليل كلام
الخالديين – رحمهما الله - .
و الخالديان يضمّنان كتابهما أشياء من النظائر إذا وردت
و الإجازات .
( الإجازة هي إتمام مصراع غيرك من الشعراء : أي أن تأخذ
شطرا لشاعر و تكمل أنت الشطر الثاني ...قمت بالإجازة ذات يوم حيث اخذت شطرا لابن
الرومي و أكملت الشطر الثاني من عندي أقول :
و لي وطنٌ آليت أّلا أبيعه ...
و هذا عهودي يا بلادي موثقة
و أصله :
و لي وطن آليت ألا أبيعه ... و ألا أرى غيري له الدهر مالكا )
و يتكلم
الخالديان كذلك عن المعاني المخترعة و المتّبعة و من ثم يتعرضان لقضية السرقات
الأدبية .
انظروا مثلا قول المهلهل بن ربيعة :
بكُرهِ قلوبنا يا آل بكرِ ====نغاديكم بمرهفةِ النصالِ
لها لونٌ من الهامات جونٌ===و إن كانت تغادَى بالصقالِ
و نبكي , حين نراكم, عليكم ===و نقتلكم كأنّا لا نبالي
قال الخالديّان : أبيات المهلهل هذه هي الأصل في هذا
المعنى ( يعني قتال الأقارب بكره القلوب)
و قال البحتريّ في نفس المعنى :
إذا احتربتْ يوما ففاضت دماؤها===تذكّرت القربى ففاضت
دموعها
هنا يقول الخالديّان : بيت البحتري أطرف و أبدع من بيت
المهلهل إلا أن أبيات المهلهل أرشدت البحتري إلي المعني و دلّته عليه.
و أقول : للحق إن بيت البحتري أجود فإنه جعل التذكر و
فيضان الدموع بعد فيضان الدم و انقضاء المعركة و هذا فيه إيحاء بالندم الشديد (
كما فعل ابن آدم بعدما قتل أخاه ) .
أما أبيات المهلهل فإنه جعل التذكّر أولا ثم جاء بعده
القتل بلا رحمة و بلا مبالاة و كإننا أمام حالة من التناسي و التعامي عن علاقة
القربى بشكل متعمّد فقال :
و نبكي , حين نراكم, عليكم ===و نقتلكم كأنّا لا نبالي
و أعتقد أنه من البديهي أنه لو تناول كل منا نفس الموضوع
فإنه سيعبّر عنها بألفاظ و تصوير مختلف , فكل منا له فكره و وجهات نظره و ينظر
للأمور من زاوية مختلفة و الأمثلة علي ذلك كثيرة جدا و فلوا تناول مجموعة من الشعراء نفس الموضوع فإن كلا منهم سوف يلقط بعدسته و يصور
بكلماته و ريشته نفس الموقف و لكن شتان بينهم في النواحي الفنية و الألفاظ و الصور....و
سبحان الخالق العظيم .
أما الآن دعوني أنقل جزءا من فصل من كتاب الأشباه و
النظائر حول معني وصف الشعراء لأشعارهم .
يقول دعبل ( شاعر هجّاء أصله من الكوفة و كان صديقا
للبحتري ) :
إنّي إذا قلت بيتاً مات قائله
و من يقال له , و
البيت لم يمتِ
و يقول دعبل أيضاً :
يموت ردئ الشعر من قبل ربّه
و جيّده
يبقي و إن مات قائلهُ
و يقول محمد بن عثيمين ( شاعر من نجد و توفّي عام 1944 م
) :
و أنشد بيتا قاله بعض من مضي
و ليس يموت الشعر لو مات قائله
ملحوظة : هذا المثال من خارج الأشباه و النظائر و بعض
الأمثلة الأخري كذلك ...فقط أردت إثراء الموضوع بدرجة أوفي .
و يقول شاعر :
فإن أهلك فقد أبقيت بعدي
قوافي ليس يلحقها
الفناءُ
و يقول بن ميّادة ( شاعر من مخضرمي الدولة الأموية و
الدولة العباسية ) :
فإن أهلك فقد أبقيت بعدي
قوافي تعجب
المتمثّلينا
و المعني واضح في الأبيات السابقة حيث دارت جميعها حول
معني بقاء الشعر رغم موت صاحبه .
و حول نفس المعني قيل :
لا يفرحنّ بموتي من تركت له
عارا إلي آخر
الأيام معروفا
قصائدا تترك الألباب حائرة
من شاعر لم يزل
بالحذق موصوفا
و قال آخر :
خذوها هنيئا إنها لرقابكم
قلائد عار ليس يزهي سموطها
يقول الخالديّان :
و مما يقارب هذا المعني و إن لم يكن مثله قول الشاعر :
أليس إذا ما قلت بيتا تناوحت
به الريح في
شرقيها و المغارب
يقصّر للسارين من ليلة السري
و يغدي
عليه بالقيان الضوارب
و من جيّد هذا المعني و نادره للخريمي :
من كلّ غائرة إذا وجّهتها
طلعت بها الركبان
كل نجادِ
طورا يمثّلها الملوك و تارة
بين الثُدِيّ
تراض و الأكبادِ
قال الخالديّان :
ذكر أن الملوك كثيرة التمثّل بأشعاره و أن الغناء فيها
أيضا كثير فهي تراض بين الثدي و الأكباد و هناك مواقع العيدان – يعني آلة العود
الموسيقية .
و قال بشار بن برد :
و مثلك قد سيّرته بقصيدة
فسار و لم يبرح عراص
المنازلِ
رميت به شرقا و غربا فأصبحت
به الأرض ملأى
من مقيم و راحلِ
و يقول الخالديّان :
و شبيه بما ذكرناه قول البحتريّ :
و أنا الذي أوضحتُ غير مدافع
نهج القوافي
و هو رسمٌ دارسُ
و شهرتُ في شرق البلاد و غربها
و كأنني في كل نادٍ
جالسُ
يقول الخالديّان :
و الشعر في صفة الشعر كثير , و إنما أتينا بهذا الفنّ من
ههنا , و تركنا غيره لنأتي به في مواضع أُخر إن شاء الله .
و أذكر بعض عناوين الكتاب كإشارة لما به من موضوعات مهمة :
معني نباح كلب البخيل
معني سؤال قريبي العهد بالغني
معني مكافأة المركوب بعد بلوغ المطلوب
معني التحوّل عن دار الهوان
معني اقتحام الحرب و العفة عند المغنم
معني التساؤل عن صدق صفة العاشق
معني تمنّي الفتيات للفتي
هذا بعضا مما في الكتاب إضافة للكثير من الأخبار و الحكايات التي كانت سببا
في كتابة الأشعار.
و انظروا للحكم النقدي الذي قاله الخالديان تعليقا علي بعض الأبيات :
فما نعرف في هذا المعني أحسن منه و لا أصح تشبيها لمن تأمله و وقف عليه و
لا نعرف له نظيرا فنورده .
هذا كتاب عظيم , و جدير بأن يقرأه , كل مهتم بالأدب و اللغة ...رحمة الله
علي الخالديين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق