الخميس، 9 مايو 2013

الأشباه و النظائر ... تراث لا يموت / بقلم : عاطف عبد العزيز الحناوي



الأشباه و النظائر ...تراث لا يموت

كتاب الأشباه و النظائر يريد أن يثبت موقفا وسطا , بين الطرفين المتمسكين بالقديم و المناصرين للمحدثين , و هما يقولان في مقدمة الكتاب:

( إنّا رأيناك بأشعار المحدثين كلفا , و عن القدماء و المخضرمين منحرفا , و هما اللذان فتحا للمحدثين باب المعاني , فدخلوه , و أنهجوا لهم طرق الإبداع , فسلكوه , " يعنيان أن الفضل للمتقدم ".
و لسنا بقولنا هذا – أيّدك الله – نطعن علي المحدثين و لا نبخسهم تجويدهم و إصابة تشبيههم و طريف معانيهم و صحة استعاراتهم ) .

قال ابن الجوزي في كتاب الأذكياء عن مؤلفي كتاب الأشباه و النظائر : ( كانا أخوين و اتفقا في حسن الطبع و رقّة المشاعر و كثرة الأدب و كانا يشتركان في الشعر و ينفردان . )

و هما الخالديّان , الأديبان الشاعران الموصليّان أبوبكر محمد و أبو عثمان سعيد ابنا هاشم ابن وعلة و أصلهما الخالدية " قرية من أعمال الموصل في العراق " فنسبا إليها .  

و قد قال عنترة العبسيّ :

هل غادر الشعراء من متردّم ِ ؟

أي أن القدماء ما تركوا كلاما لمتكلم بعدهم...هكذا قال عنترة و غيره ممن يرون الفضل دائما للمتقدّم و الأسبق زمانا و لكنّ هذا لا يمكنه أن ينفي أو أن يمنع جودة إبداع المحدثين و طرافته كما أسلفت منذ قليل كلام الخالديين – رحمهما الله - .

و الخالديان يضمّنان كتابهما أشياء من النظائر إذا وردت و الإجازات .

( الإجازة هي إتمام مصراع غيرك من الشعراء : أي أن تأخذ شطرا لشاعر و تكمل أنت الشطر الثاني ...قمت بالإجازة ذات يوم حيث اخذت شطرا لابن الرومي و أكملت الشطر الثاني من عندي أقول :
و لي وطنٌ آليت أّلا أبيعه   ...   و هذا عهودي يا بلادي موثقة

و أصله :

و لي وطن آليت ألا أبيعه ...   و ألا أرى غيري له الدهر مالكا  )

 و يتكلم الخالديان كذلك عن المعاني المخترعة و المتّبعة و من ثم يتعرضان لقضية السرقات الأدبية .

انظروا مثلا قول المهلهل بن ربيعة :

بكُرهِ قلوبنا يا آل بكرِ ====نغاديكم بمرهفةِ النصالِ

لها لونٌ من الهامات جونٌ===و إن كانت تغادَى بالصقالِ

و نبكي , حين نراكم, عليكم ===و نقتلكم كأنّا لا نبالي

قال الخالديّان : أبيات المهلهل هذه هي الأصل في هذا المعنى ( يعني قتال الأقارب بكره القلوب)

و قال البحتريّ في نفس المعنى :

إذا احتربتْ يوما ففاضت دماؤها===تذكّرت القربى ففاضت دموعها

هنا يقول الخالديّان : بيت البحتري أطرف و أبدع من بيت المهلهل إلا أن أبيات المهلهل أرشدت البحتري إلي المعني و دلّته عليه.
و أقول : للحق إن بيت البحتري أجود فإنه جعل التذكر و فيضان الدموع بعد فيضان الدم و انقضاء المعركة و هذا فيه إيحاء بالندم الشديد ( كما فعل ابن آدم بعدما قتل أخاه ) .
أما أبيات المهلهل فإنه جعل التذكّر أولا ثم جاء بعده القتل بلا رحمة و بلا مبالاة و كإننا أمام حالة من التناسي و التعامي عن علاقة القربى بشكل متعمّد فقال :

و نبكي , حين نراكم, عليكم ===و نقتلكم كأنّا لا نبالي

و أعتقد أنه من البديهي أنه لو تناول كل منا نفس الموضوع فإنه سيعبّر عنها بألفاظ و تصوير مختلف , فكل منا له فكره و وجهات نظره و ينظر للأمور من زاوية مختلفة و الأمثلة علي ذلك كثيرة جدا و  فلوا تناول مجموعة من الشعراء  نفس الموضوع فإن كلا منهم سوف يلقط بعدسته و يصور بكلماته و ريشته نفس الموقف و لكن شتان بينهم في النواحي الفنية و الألفاظ و الصور....و سبحان الخالق العظيم .

أما الآن دعوني أنقل جزءا من فصل من كتاب الأشباه و النظائر حول معني وصف الشعراء لأشعارهم .

يقول دعبل ( شاعر هجّاء أصله من الكوفة و كان صديقا للبحتري ) :

إنّي إذا قلت بيتاً مات قائله
                               و من يقال له , و البيت لم يمتِ

و يقول دعبل أيضاً :

يموت ردئ الشعر من قبل ربّه
                                    و جيّده يبقي و إن مات قائلهُ

و يقول محمد بن عثيمين ( شاعر من نجد و توفّي عام 1944 م )  :

و أنشد بيتا قاله بعض من مضي
                                    و ليس يموت الشعر لو مات قائله

ملحوظة : هذا المثال من خارج الأشباه و النظائر و بعض الأمثلة الأخري كذلك ...فقط أردت إثراء الموضوع بدرجة أوفي .

و يقول شاعر :

فإن أهلك فقد أبقيت بعدي
                              قوافي ليس يلحقها الفناءُ

و يقول بن ميّادة ( شاعر من مخضرمي الدولة الأموية و الدولة العباسية ) :

فإن أهلك فقد أبقيت بعدي
                              قوافي تعجب المتمثّلينا

و المعني واضح في الأبيات السابقة حيث دارت جميعها حول معني بقاء الشعر رغم موت صاحبه .

و حول نفس المعني قيل :

لا يفرحنّ بموتي من تركت له
                                 عارا إلي آخر الأيام معروفا

قصائدا تترك الألباب حائرة 
                               من شاعر لم يزل بالحذق موصوفا

و قال آخر :

خذوها هنيئا إنها لرقابكم
                          قلائد عار ليس يزهي سموطها

يقول الخالديّان :

و مما يقارب هذا المعني و إن لم يكن مثله قول الشاعر :

أليس إذا ما قلت بيتا تناوحت
                                 به الريح في شرقيها و المغارب
يقصّر للسارين من ليلة السري
                                     و يغدي عليه بالقيان الضوارب


و من جيّد هذا المعني و نادره للخريمي :

من كلّ غائرة إذا وجّهتها
                             طلعت بها الركبان كل نجادِ
طورا يمثّلها الملوك و تارة
                                بين الثُدِيّ تراض و الأكبادِ


قال الخالديّان :

ذكر أن الملوك كثيرة التمثّل بأشعاره و أن الغناء فيها أيضا كثير فهي تراض بين الثدي و الأكباد و هناك مواقع العيدان – يعني آلة العود الموسيقية .

و قال بشار بن برد :

و مثلك قد سيّرته بقصيدة
                            فسار و لم يبرح عراص المنازلِ
رميت به شرقا و غربا فأصبحت
                                به الأرض ملأى من مقيم و راحلِ


و يقول الخالديّان :

و شبيه بما ذكرناه قول البحتريّ :

و أنا الذي أوضحتُ غير مدافع
                                   نهج القوافي و هو رسمٌ دارسُ

و شهرتُ في شرق البلاد و غربها
                                      و كأنني في كل نادٍ جالسُ


يقول الخالديّان :

و الشعر في صفة الشعر كثير , و إنما أتينا بهذا الفنّ من ههنا , و تركنا غيره لنأتي به في مواضع أُخر إن شاء الله .


و أذكر بعض عناوين الكتاب كإشارة لما به من موضوعات مهمة :

معني نباح كلب البخيل
معني سؤال قريبي العهد بالغني
معني مكافأة المركوب بعد بلوغ المطلوب
معني التحوّل عن دار الهوان
معني اقتحام الحرب و العفة عند المغنم
معني التساؤل عن صدق صفة  العاشق
معني تمنّي الفتيات للفتي
هذا بعضا مما في الكتاب إضافة للكثير من الأخبار و الحكايات التي كانت سببا في كتابة الأشعار.

و انظروا للحكم النقدي الذي قاله الخالديان تعليقا علي بعض الأبيات :

فما نعرف في هذا المعني أحسن منه و لا أصح تشبيها لمن تأمله و وقف عليه و لا نعرف له نظيرا فنورده .

هذا كتاب عظيم , و جدير بأن يقرأه , كل مهتم بالأدب و اللغة ...رحمة الله علي الخالديين .
                             

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق