الأحد، 26 مايو 2013


محمد عثمان ....في طريق الذكريات

يقول ستيفن سبندر في كتاب "الحياة و الشاعر " ما مفاده أن : الشاعر يجب أن يكون له موقف من الحياة , و هذا الموقف نستشفه من إبداعه , و أظن هذا شيئا بديهيا , و لا مجال للجدال فيه  .

و قد يكون موقف بعض الأشخاص حداثيّا متمردا , ضاربا بالقواعد و الأعراف عرض الحائط , و قد يكون البعض ميّالا للمحافظة , و اتخاذ موقف تقليدي من الحياة و الفن , و أقول :  إن مدار الإبداع في الحالتين , إنما هو على الجودة و الأصالة الفنية , و مدى القدرة على التعبير عن الحالة الوجدانية, بشكل متناغم و متماسك فنّيا .

كانت هذه مقدمة لابد منها ,قبل الحديث عن قصيدة "في طريق الذكريات " للصديق الشاعر- محمد عثمان و أرجو أن أكون منصفا في تحليلي ,و نقدي, بلا محاباة, و لا تعنت... و الله المستعان .

يقول الشاعر :

إن أتيت الروض شوقا ****و المنى ملء العيون
ترقب الماضي نداء****بين أصداء الفتون
ذكريات في ربيع****ذاب فيه العاشقون

عبّر الشاعر هنا عن الذكريات و الماضي الجميل , و أتت الكلمات معبرة مثل ( الروض – شوقا – الفتون – ربيع – العاشقون ) , فنحن أمام صورة رقيقة , لحالة ربيعية , من الماضي , و ألاحظ أن الشاعر قد استخدم "إنْ الشرطية" , و هي تفيد الشك و التقليل , و هذا يتناغم مع قول الشاعر بعدها :

قد رأيت الروض جاثٍ****في رداء من سكون
عربدت فيه احتراقا ****عصبة الليل الخئون
فاستكان الطير قهرا****بين أشلاء الغصون

أقول : هذه الأبيات هي جواب الشرط ( إن أتيت ) .
 و لو قارنا الألفاظ المستعملة , في جملة الشرط , و هي كلمات تشي بالأمل و التفاؤل ( روض – ربيع ....) و ألفاظ جملة جواب الشرط  , و هي تشي بحالة من اليأس و الانكسار و الموت ( جاث – سكون – عربدت – احتراقا....)  , فقد كان هناك شك من البداية , في جمال الروض و عدم يقين من الأمل المرجو !!
و لاحظوا معي ... في البداية شك ( إن ) و في النهاية توكيد ( قد ) .

ثم يلخص الشاعر الوضع في جملة واحدة :

هكذا الدنيا جنون

فالتوقعات دائما عكس الواقع بالفعل ....و هكذا قام الشاعر , كعادة القدماء و بعض المحدثين بصوغ الحكمة و الجملة الحاسمة القاطعة ...أليس الشاعر حكيم قبيلته , و هو الروح الشفافة التي تبصر من وراء الغمام , و يتنبأ بالمستقبل كأنه عراف قديم !!؟

و استخدم الشاعر كلمة الروض مرتين , في هذا المقطع من القصيدة , و ربما عدّ البعض ذلك ضعفا فنّيا , و تكرارا لا داعي له ... و لكني أقول : إن التكرار قد يكون مفيدا و مبرّرا , و العبرة بالنص الذي نقرؤه , و أقول  ما بين "الروض شوقا ... و الروض جاث" نرى أن الروض هو الروض , و لكنّ حالة الشاعر الوجدانية , هي التي تبدّلت , و رؤيته للمشهد , هي التي تحوّلت , و السؤال : هل كان التكرار بلا مبرّر ؟! لا سيّما إذا قلنا أن التكرار وقع في أغلب القصيدة , لا سيّما الكلمات المعبّرة عن الماضي , و ما يقوم مقامها !

و في المقطع الثاني من القصيدة – و قد غيّر الشاعر الرويّ كعادته – يعرّف الدنيا تعريفا جديدا طريفا يقول :

هذه الدنيا مسير **** في دعاء لا يجاب
كالمواعيد الحيارى****بين أصداء الغياب

هي حالة من الحيرة , و مسيرة بلا جدوى , فالدعاء لا يجاب , و المواعيد حائرة , و الغياب هو السائد , و يعرب الشاعر عن رغبته و يقول :

أبتغي عمرا قديما **** في هنيهات الشباب

فهذا مذهبه – العودة للماضي و للجذور – و لكنه يظل حائرا , في حالة من الشك الوجودي الذي يذكرنا بإيليا أبي ماضي و محمود حسن اسماعيل , وحيرتهم , خصوصا "الطلاسم" لأبي ماضي , و ديوان "أين المفر" لمحمود حسن اسماعيل ...و ما يجمع بينهم – أي الشعراء المذكورين – هو حالة الحيرة  و الشك , الناشئة بلا جدال من العصر المتسارع و المتخبط الذي عاشوا فيه , هؤلاء في القرن العشرين و حروبه العظمى , و هذا في القرن الحادي و العشرين و فورانه و لا إنسانيته !! ... يقول الشاعر :

كلما لاقيت بابا****لاح في الظلماء باب
بيد أني لست أدري**** أي باب للمآب
كلها أشباه لقيا**** بين هاتيك الشعاب
هكذا تمضي حياتي****بين شك و اغتراب

فقد وضعنا الشاعر بمهارة , و بألفاظه المعبرة , و بصوره الشعرية الجميلة , أمام حالة من الحيرة و الضبابية  و عدم الاستقرار و الوحدة .

 و أعجبتني جدا صورة "أشباه لقيا " , و هي مكونة من مضاف و مضاف إليه , و تفيد التخصيص  - لأن الإضافة إلى نكرة تفيد التخصيص كما تعرفون - حتى اللقاء لم يعد لقاء حقيقيا أو مكتملا, بل هو أشباه ! , مما يذكرني , بما درسناه عن بعض الكائنات الأولية فهذا له أشباه أرجل , و هذا له أشباه جذور , و هي بالتالي لا تقوم بالوظيفة الكاملة , كما أنها ليس لها التركيب الكامل للعضو الحقيقي , و كذلك أشباه اللقيا !!

أما قوله : " قد قضيت العمر وحدي" فهي جملة مباشرة خبرية , تخلو من التصوير , و إن كانت تدلنا على حالة الشاعر الوجدانية , بشكل جيد , كما أنه ليس شرطا أن تكون كل القصيدة صورا و خيالا , و قد أوضحت ذلك - بفضل الله - في مقالة لي بعنوان " عن الصورة الشعرية " .

و أسأل الشاعر : ماذا عنيت بقولك :

يا رفيقي نجّ كأسي ... هل تقصد ناج ِ كأسي ؟ إذا اجعلها "ناج ِ"... و الوزن و المعنى كلاهما  يستقيم ... حيث لم أقرأ "نجّ " بحذف الألف من قبل... و الله أعلم

( سمعت الشاعر محمد عثمان و هو يلقي القصيدة في أحد الندوات و قد قرأها : نحّ بالحاء و ليس نجّ بالجيم و على ذلك يكون الفعل الأمر من التنحية و هذا يتفق بالفعل مع البيت تمام الاتفاق )

و يؤكد الشاعر على معنى الوحدة – وحدته – فيقول في المقطع الثالث :

عاشق يمضي وحيدا ****خلف طيف الأغنيات

و يؤكد على مذهبه الفنّي – العائد للجذور – قائلا :

يرتجي عمرا قديما **** من رحيق المعجزات

و يعود بنا الشاعر إلى صورة الماضي الجميل , التي صورها المقطع الأول , و يقول :

أن يعود الفجر طيرا**** من دياجير الشتات
تصدح الأوكار عشقا****يزدري جهم السكات

الشتات مظلم , و الفرقة مؤلمة , لكنْ إذا جاء الفجر, صدحت الطيور بالأغاني ( في قول الشاعر "تصدح الأوكار" مجاز مرسل علاقته المحلية ... فالطيرهي التي تصدح و محلّها الأوكار) و تعود الوحدة و الألفة , من جديد , و يتحقق حلم شاعرنا , و حلمنا العزيز :

يقرأ النيل المثاني**** ينجلي حزن الفرات

و أتساءل : هل موقف الشاعر في قصيدته كلاسيكيا بحتا , و مقلدا صرفا للقدماء , لدرجة أن تختفي شخصيته , و رأيه و موقفه الشخصي ؟!...لا أظن .

 نعم هو قد اختار القالب العمودي للقصيدة , و لكن هذا ليس عيبا , لأنه استطاع صياغة أفكاره , و موقفه من الحياة , في هذا القالب , و أجاد , و إن كنت أنتظر منه المزيد من التجديد في الصورة الشعرية , و هو- بلا شك - قادر على ذلك بإذن الله .

لأستاذنا سعد علي مهدي – الشاعر العراقي الرائع -  تعليق مهمّ , على استخدام كلمة "السكات " , فهو لا يميل إلى استخدامها في قصيدة فصحى , نظرا لشيوعها في الاستخدام العامي فهو يريد – و معه كل الحق – أن تصبح لغة الشعر الفصيح أرقى من كل استخدام عامي مبتذل و أظننا جميعا نوافقه هذا الرأي , حتى و إن كانت كلمة "السكات" كلمة فصيحة بكل تأكيد .

و لي تعليق على صورة " يزدري جهم السكات " تركيب الشاعر للمضاف و المضاف إليه "جهم السكات" أفاد زيادة درجة القبح المعاصرة , فكلمة "جهم" معناها : كالح الوجه و كريه الوجه عابسه , و كلمة "السكات " معناها : الصمت و السكون , و تركيبهما معا بهذا الشكل ممتاز , حيث أفاد زيادة درجة الدمامة و البغض , التي سوف يحاربها , و يقضي عليها غناء الطيور ! تحية للشاعر من أجل هذه الإضافة الرائعة .

و في المقطع الأخير , يؤكد الشاعر على حبه للماضي , و يقول :

في ربى أشواق ليلى **** أو دواوين الرشيد
ربّ لحن قص عني**** رحلة الساري العنيد

ذكره " ليلى " يعبر عن شوقه للشعر و الحب القديم , و ذكره "للرشيد" يعبر عن شوقه للماضي القوي , حينما كانت حضارتنا تنير العالم .

و كولع الشعراء – لاسيما التقليديين – لصياغة الحكمة يقول :

كلنا في الأرض يمشي **** بين شاك أو سعيد
ثم نمضي للمنايا **** في طريق لا يحيد

جمل خبرية تقريرية , و إن كانت لا تخلو من جمال ....جمال الحكمة و جلالها .

قرّر الشاعر الحقيقة , و هي أننا جميعنا نموت , و لكن تبقى حكاياتنا و قصائدنا تعبر عن آلامنا و أحلامنا , و تنقلها للقادمين من بعدنا , و هذا الشعور و إن كان تقليديا , و تحدثت عنه في عرضي لكتاب " الأشباه و النظائر للخالديين " فإنما هو شعور إنساني عام ,
 لا ينقضي بانقضاء الأجيال , فكم من شاعر يكتب القصيدة ثم يموت , و تبقى قصيدته , من بعده إلى ما لا نهاية – بإذن الله – و هذه حال الأعمال العظيمة... يقول الشاعر دعبل - شاعر هجّاء , أصله من الكوفة , و كان صديقا للبحتري :

إنّي إذا قلت بيتاً مات قائله
                               و من يقال له , و البيت لم يمتِ

و يقول محمد عثمان :

بينما تبقى الحكايا **** بين أطياف القصيد
تذكر الشادي المعنّى **** في رؤى الحلم المجيد

و في النهاية أقول :

الشاعر و إن كان قد جرى على أساليب العرب , و مدارسهم الشعرية القديمة , إلا أنه قد أجاد , و جاءت قصيدته جميلة , و متماسكة فنّيا – شكلا و مضمونا - و تحمل الكثير من عبق الماضي , و الكثير من همومنا المعاصرة ....

يا رفيقي لن أغنّي **** غير ذيّاك النشيد

==========================================

عاطف عبد العزيز الحناوي
الاسكندرية
30 رمضان 1433
18 أغسطس 2012



القصيدة :


إن أتـيــتَ الـــروضَ شــوقـــا

****
والـمُـنــى مـِــــلءُ الـعـيــــونْ

تــرقــُــبُ الـمــاضـى نـِـــــداءً

****
بـيـــن أصـــــداءِ الـفـُــتـُـــونْ

ذِكـْــريــــاتٌ فــى ربــيـــــــع ٍ

****
ذابَ فــيـــــهِ الـعــاشِــقـُــــونْ

قـــدْ رأيــتَ الــروضَ جـاثٍ

****
فــى رداء ٍ مــــن سُــكـــــونْ

عـرْبــدَتْ فـيــهِ احـتـِـراقــــا ً

****
عـُصـْبــَــة ُ اللــيــلِ الخَـئـُـونْ

فاسـتـكـانَ الـطـيــرُ قــهـــراً

****
بـيــن أشـْــــلاءِ الـغـُـصـُــونْ

وانـــزَوى نـبــْــعُ الأغــانـى

****
خـلـفَ أســــوار الـظـُنـُــــونْ

إن طـرقـْتَ الـصـمـتَ تـنـْـعِى

****
ضَـيْـعــة َالـعـهــدِ الـحَـنـُــونْ

لا تــقـُــــلْ كـُـنــــا وكــانـــــا

****
هــكـــذا الـدنــيـــا جـُـنـــُــونْ

******

هــــذه الــدنــيــــا مـسِــيــْــرٌ

****
فــى دعــــــاءٍ لا يـُـجــَــــــابْ

كـالـمــواعـيـــدِ الـحـَيــَـــارَى

****
بـيــــن أصــــــداءِ الـغـِــيـــابْ

يــا رفـيـقــى نـَــحِ كـأسـِــــى

****
إنـهــــــا نـجـــــوَى ســــــرابْ

قــد قـضـيـتُ الـعـمـرَ وحـــدِى

****
فــى ســـراديـــبٍ عـُـجــَـــابْ

أبـتــغـِــى عـُمـْـــرا قـديــمــــاً

****
فـى هـُـنـيـْهــــاتِ الــشـبــــابْ

كـلـمــــا لاقــيــــــت بـــابــــــا ً

****
لاحَ فـــى الـظــلـمــاءِ بــــابْ

بـَــيـْـــدَ أنــى لــســــت أدرى

****
أى بــــــــابٍ لــلـــمــَـــــــآبْ

كــلـُـهــا أشــبــــاهُ لـُـقـْـيــَـــا

****
بـيــن هـاتـِيـْــكَ الـشِـعـَــــابْ

هــكــذا تـمـضـــى حـيــاتــى

****
بــيــــن شـــــكٍ واغْــتـِــرابْ

فـــى نــــــداءٍ مــن خــيــــالٍ

****
بـيــــن أوهــــــامِ الـحُـبــَــابْ

******

يــا رفـيـقــى تلك روحِــى

****
فــى طـريـــقِ الــذكـــريـــاتْ

عـاشــقٌ يـمـضــى وحـيـــداً

****
خـلــفَ طــيـْــفِ الأغـنـيـــاتْ

سـبـَّـح اسـم اللــهِ شــوقــاً

****
فـــى ظـِــــلال الأُمــنـيـــــاتْ

يــرتـجـى عـِـطــْـراً قـديـمــاً

****
مـن رحــيـــق الـمُـعْـجِـــزاتْ

أن يـعـــود الـفـجـــرُ طـيــراً

****
مـــن ديـــاجـيـــر الـشَـتـَــاتْ

تـصــدحُ الأوكـــارُ عـِشْـقــاً

****
يــزدرى جـَـهـْــمَ الـسُـكــاتْ

يـقــرأ الـنيـــلُ الـمـثــانـِــى

****
يـنْـجـَـلِى حــــزنُ الـفــــراتْ

******

يــا رفـيـقــــى لـــن أغـنـــــى

****
غــيـــــر ذيـــاك الـنـشـــيــــد

إن يـلـُـحْ فــى الأفــق نــــورٌ

****
أم بـــــــدا نـجــــمٌُ غـَــريــــــدْ

ْفـى رُبـَــى أشــــواق لـيــلى

****
أو دواويـــــن الـــرشــيـــــــد

رُبَ لـحــنٍ قــَــصَّ عـنـِــى

****
رحــلــة الـســارى الـعـنـيـــدْ

حـيـنـمـا يـهـفـُـو لِـطـَـيـْــفٍ

****
من صـدَى المـاضى الـبعـيـدْ

كـلـُـنـا فـى الأرض يـمـشى

****
بـيــــن شــــاكٍ أو سـعـيــــدْ

ثـــم نـمــضى لـلـمـنــايــــا

****
فــى طـــــريــقٍ لا يـحــيــــدْ

بـيـنـمـا تـَبـقـى الحـَـكــايــا

****
بـيــــن أطـْيــافِ الـقـَصِـيــــدْ

تــذكـُـر الـشـادى المـُعـَـنَّـى

****
فـى رُؤى الـحُـلـمِ الـمجـيــدْ

هــا هُـنـا أحـْيــا الأغـانــى

****
هــاهـُـنــا يـَحـْـيـا شـهــيـــدْ


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق